الأحد، 22 أغسطس 2021

عند جهينة الخبر اليقين

 قصة مثل: عند جهينة الخبر اليقين.


هذا المثل يضرب لمن يعرف أن الخبر الأكيد عنده وليس عند غيره ، وقصته تدور حول رجلين مجرمين وصعلوكين ، أحدهما يدعى حُصين بن عمرو ، والآخر من قبيلة جهينة يدعى الأخنس بن كعب ، خرجا ذات يوم للنهب والسلب – طبعا كل واحد لحاله – فلقي حصين أخنسا فقال له :


– من أنت ثكلتك أمك !


– فقال له الأخنس : بل من أنت ثكلتك أمك !


فتزايدا في القول حتى قال الأخنس : أنا الأخنس بن كعب ، فأخبرني من أنت وإلا قتلتك ؟


فقال له الحصين : أنا الحصين بن عمرو الكلابي .


فقال له الأخنس : فما الذي تريد ؟


قال الحصين : خرجت لما يخرج له الفتيان .


/ يقصد النهب والسرقة وقطع الطريق ، كما اشتهر عند الشعراء الصعاليك .


قال الأخنس : وأنا خرجت لمثل ذلك .


فقال له الحصين : هل لك أن نتعاهد ألا نلقى أحدا من عشيرتك أو عشيرتي إلا سلبناه ؟


قال الأخنس : نعم .

 

عهد عنوانه الترقب والغدر !


وأي عهد هذا الذي يجري بين اللصوص وقطاع الطرق ، عهد عنوانه الغدر في أي لحظة أو فرصة سانحة ، وهذا ما كان ، حيث خرجا وكل واحد منهما حذر أشد الحذر من صاحبه ، لأنهما يدركان خطورة بعضهما البعض .


أول ضحية لهذين المجرمين كان رجلا لقياه في الطريق فسلباه كل ما يملك من متاع ومال ، فقال لهما :


– هل لكما أن تردا بعض ما سلبتموه مني ، مقابل أن أدلكما على رجل بحوزته مغنم كبير جدا .


قالا : نعم .


فقال الرجل : هناك رجل من قبيلة لخم ، قد قدم من عند بعض الملوك ، وهو مُحمّل بأموال ومتاع كبير ، ولقد تركته في موضع كذا وكذا .


حينها اشتعلت نار الطمع في عيني الصعلوكين ، والعجيب أنهما ردّا بعض المال لذلك الرجل ، وتوجها أين يجلس الرجل من قبيلة لخم ، فوجداه جالسا يستظل بشجرة ، يتناول طعامه وشرابه ، فحيّياه وحيّاهما ، وعرض عليهما الطعام .


طبعا قبلا دعوة الرجل ، لكن المضحك في الأمر أنهما كانا راكبين فخاف كل واحد منهما أن ينزل من جواده أولا فيفتك به صاحبه ، فقررا أخيرا أن ينزلا معا في لحظة واحدة.


فأكلا وشربا وتجاذبا أطراف الحديث مع الرجل اللخمي ، ثم إن الأخنس ذهب لقضاء حاجته أو شأن ما ، وحين رجع وجد حصينا قد قتل الرجل ودماءه تسيل وديانا ، فسلّ سيفه ، وصرخ في وجه صاحبه قائلا :


– ويحك ! فتكت برجل قد تحرّمنا بطعامه وشرابه .


– فقال الحصين : اقعد يا أخا جهينة – يقصد الأخنس – ، فلهذا وشبهه خرجنا .


فأكملا شربهما وكأن شيئا لم يحدث ، وتحدثا ، وحاول الحصين أن يطيل مع صاحبه الحديث حتى يجعله منبسطا ومرتاحا فيغفل عن حذره ويفتك به ، لكنه لم يعلم أن صاحبه كان أشد منه مكرا .


قال الحصين : يا أخا جهينة : هل أنت للطير زاجر ؟


يقصد علمه بحركات الطير ولغته وغير ذلك .


قال الأخنس : وما ذاك ؟


قال الحصين : ما تقول هذه العقاب الكاسر ؟


قال الأخنس : وأين تراها ؟


قال الحصين : ها هي ذه .


فرفع رأسه إلى السماء مشيرا بأصبعه ، فما كان من الأخنس إلا أن نحره بسيفه في لمح البصر .


حصين كان في خطته أن يسأل الأخنس عن علمه بلغة الطير ، وأراد أن يوهمه بوجود طائر يحلق في السماء حتى يتطلع إليه الأخنس ويرفع رأسه فينحره الحصين نحر الشاة .


لكن الأخنس فطن لهذه الحيلة فأوقع الحصين في حفرته التي حفرها ، ففتك به ، وأخذ كل المغانم والأموال ، وانصرف راجعا إلى قومه .


وفي طريقه صادف امرأة تبحث عن الحصين وتسأل عنه ، فقال لها : من أنت ؟


قالت : أنا صخرة امرأة الحصين .


قال : أنا قتلته .


فقالت : كذبت ، ما مثلك يقتل مثله ، واستمرت تبحث عن زوجها ، في حين رجع الأخنس إلى قومه وهناك أنشد أبياتا منها البيت الشهير الذي صار مضرب الأمثال ، حيث قال :


وكم من ضيغم ورد هموس  *  أبى شبلين مسكنه العرين


علوت بياض مفرقه بعضب  *  فأضحى فى الفلاة له سكون


وأضحت عرسه ولها عليه  *  بُعيْد هدوء ليلتها رنين


وكم من فارس لا تزدريه *  إذا شخصت لموقعه العيون


كصخرة إذ تسائل فى مراح  *  وأنمار وعلمهما ظنون


تسائل عن حصين كل ركب  *  وعند جهينة الخبر اليقين


فمن يك سائلا عنه فعندي  *  لصاحبه البيان المستبين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بارك الله فيك وجزاك خيرا.

فوائد لغوية

 *🏮فوائد لغوية متفرقة* 🌕 العار، العورة 🌕 قال تعالى: (وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُو...